فصل: تفسير الآية رقم (82):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير ابن عبد السلام (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (82):

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82)}
{الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارى} خاص بالنجاشي وأصحابه الذين أسلموا، أو بقوم كانوا على دين عيسى عليه الصلاة والسلام فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم آمنوا به.

.تفسير الآية رقم (83):

{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83)}
{الشَّاهِدِينَ} الذين يشهدون بالإيمان، أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس} [البقرة: 143].

.تفسير الآية رقم (87):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)}
{لا تُحَرِّمُواْ} الأموال بالغضب فتصير حراماً، أو نزلت.
قوله عزّ وجلّ: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ لَكُمْ} فيه تأويلان، أحدهما: أنه اغتصاب الأموال المستطابة فتصير بالغصب حراماً وقد كان يمكنهم الوصول إليها بسبب مباح قاله بعض البصريين، والثاني: أنه تحريم ما أُبيح لهم من الطيبات، وسبب ذلك أنّ جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علي عليه السلام وعثمان بن مظعون وابن مسعود وابن عمر همّوا بصيام الدهر وقيام الليل واعتزال النساء وجبّ أنفسهم وتحريم الطيبات من الطعام عليهم فأنزل الله تعالى فيهم: {لا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فيه أربعة تأويلات، أحدها: لا تعتدوا بالغصب للأموال التي هي عليكم حرام، والثاني: أنه أراد بالاعتداء ما هَمَّْ به عثمان بن مظعون من جَبِّ نفسه قاله السدي، والثالث: أنه ما كانت الجماعة همت به من تحريم النساء والطعام واللباس والنوم قاله عكرمة، والرابع: هو تجاوز الحلال إلى الحرام قاله الحسن.

.تفسير الآية رقم (89):

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)}
-قوله عزّ وجلّ: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ} قد ذكرنا خلاف المفسرين والفقهاء في لغو اليمين {وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ} اختلف في سبب نزولها قولين:
أحدهما: أنها نزلت في عثمان بن مظعون حين حرّم على نفسه الطعام والنساء بيمين حلفها فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث فيها قاله السدي، والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن رواحة وكان عنده ضيف فأخرت زوجته قِراه فحلف لا يأكل من الطعام شيئاً، وحلفت الزوجة لا تأكل منه إن لم يأكل، وحلف الضيف لا يأكل منه إن لم يأكلا، فأكل عبد الله وأكلا معه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: أحسنت ونزلت فيه هذه الآية قاله ابن زيد.
قوله: {وَلكِن يؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيْمَانَ} وعقدها هو لفط باللسان وقصد بالقلب لأن ما لم يقصده من أيمانه فهو لغو لا يؤاخذه به ثم في عقدها قولان: أحدهما: أن تكون على فعل مستقبل ولا تكون على خبر ماض، والفعل المستقبل نوعان: نفي وإثبات، فالنفي أن يقول: (والله لا فلعت كذا) والإثبات أن يقول (والله لأفعلن) أما الخبر الماضي فهو أن يقول: (والله ما فلعت) وقد فعل ويقول: (والله لقد فعلت كذا) وما فعل فينعقد يمينه بالفعل المستقبل في نوعي إثباته ونفيه. وفي انعقادها بالخبر الماضي قولان أحدهما: أنها لا تنعقد بالخبر الماضي قاله أبو حنيفة وأهل العراق، والقول الثاني: أنها تنعقد على فعل مستقبل وخبر ماضٍ يتعلق الحنث بهما قاله الشافعي وأهل الحجاز.
ثم قال {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان قالته عائشة والحسن والشعبي وقتادة، والثاني: أنها كفارة الحنث فيما عقدوه منها وهذا أشبه أن يكون قول ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم. والأصح من إطلاق هذين القولين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحَلها فإنها لا تخلوا من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها طاعة وحَلها معصية كقوله: (والله لا قتلت نفساً ولا شربت خمراً) فإذا حنث بقتل النفس وشرب الخمر كانت الكفارة لتكفير مأثم الحنث دون عقد اليمين، الحال الثاني: أن يكون عقدها معصية وحلها طاعة كقوله (والله لا صليت ولا صمت) فإذا حنث بالصلاة والصوم كانت الكفارة لتكفير مأثم العقد دون الحنث والحال الثالث: أن يكون عقدها مباحاً وحلها مباحاً كقوله: (والله لا لبست هذا الثوب) فالكفارة تتعلق بهما وهي بالحنث أخص.
 والأسود وعبيدة السلماني، والثاني: من أوسطه في القدر قاله علي وعمر وابن عباس- ثم قال {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ} فيه قولان، أحدهما: من أوسط أجناس الطعام قاله ابن عمر والحسن وابن سيرين (والأسود وعبيدة السلماني، والثاني: من أوسطه في القدر قاله علي وعمر وابن عباس) ومجاهد، وقرأ سعيد بن جبير (من وسط ما تطعمون أهليكم) ثم اختلفوا في القدر على خمسة أقاويل: أحدها: أنه نصف صاع من سائر الأجناس قاله (علي وعمر وهو مذهب أبي حنيفة، والثاني: مد واحد من سائر الأجناس قاله) ابن عمر وزيد بن ثابت وعطاء وقتادة وهو مذهب شافعي، والثالث: أنه غداء وعشاء قاله علي في رواية الحارث عنه وقول محمد بن كعب القرظي والحسن البصري، والرابع: أنه على ما جرت به عادة المكفر في عياله إن كان يشبعهم أشبع المساكين وإن كان لا يشبعهم فعلى قدر ذلك قاله ابن عباس وسعيد ابن جبير، والخامس: أنه أحد الأمرين من غداء وعشاء قاله بعض البصريين.
ثم قال {أَو كِسْوَتُهُمْ} وفيها خمسة أقاويل:
أحدها: كسوة ثوب واحد قاله ابن عباس ومجاهد وطاووس وعطاء الخراساني والشافعي.
والثاني: كسوة ثوبين قاله أبو موسى الأشعري وابن المسيب والحسن وابن سيرين.
والثالث: كسوة ثوب جامع كالملحفة والكساء قاله إبراهيم.
والرابع: كسوة إزار ورداء وقميص قاله ابن عمر.
والخامس: كسوة ما تجزئ فيه الصلاة قاله بعض البصريين.
ثم قال {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} يعني أو فك رقبة من أسر العبودية إلى حال الحرية والتحرير والفك: الفتق، قال الفرزدق:
أبني غدانة إنني حررتكم ** فوهبتكم لعطية بن جعال

وتجزئ صغيرها وكبيرها وذكرها وأنثاها وفي استحقاق إيمانها قولان:
أحدهما: أنه مستحق ولا تجزئ الكفارة قاله الشافعي.
والثاني: أنه غير مستحق قاله أبو حنيفة.
ثم مقال: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} فجعل الله الصوم له بدلاً من المال عند العجز عنه وجعله مع اليسار مخيراً بين التكفير بالإطعام والكسوة والعتق، وفيها قولان:
أحدهما: أنّ الواجب منها أحدها لا بعينه عند جمهور الفقهاء.
والثاني: أن جميعها واجب وله الاقتصار على أحدها قاله بعض المتكلمين وشاذ من الفقهاء، وهذا إذا حُقّق خلف في العبارة دون المعنى واختلف فيما إذا لم يجده صام على خمسة أقاويل:
أحدها: إذا لم يجد قوته وقوت من يقوم صام قاله الشافعي.
والثاني: إذا لم يجد ثلاثة دراهم صام قاله سعيد بن جبير.
والثالث: إذا لم يجد درهمين صام قاله الحسن.
والرابع: إذا لم يجد مائتي درهم صام قاله أبو حنيفة.
والخامس: إذا لم يجد ذلك فاضلاً عن رأس ماله الذي يتصرف به لمعاشه صام. وفي تتابع صيامه قولان:
أحدهما: يلزمه قاله مجاهد وإبراهيم وكان أبيّ بن كعب وعبدالله بن مسعود يقرءان فصيام ثلاثة أيام متتابعات.
والثاني: إن صامها متفرقاً جاز. قاله مالك وأحد قولي الشافعي {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} يعني وحنثتم، فإن قيل: لم لم يذكر مع الكفارة التوبة؟ قيل: لأنه ليس كل يمين حنث فيها كانت مأثماً توجب التوبة، فإن اقترن بها المأثم لزمت التوبة بالندم وترك العزم على المعاودة {وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ} يحتمل وجهين:
أحدهما: يعني احفظوها أن تحلفوا.
والثاني: احفظوها أن تحنثوا.

.تفسير الآية رقم (90):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)}
قوله عزّ وجلّ: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقاويل: أحدها: ما روى ابن إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال عمر بن الخطاب: اللهمّ بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية في البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة: 219] فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بَيِّن لنا في الخمر بياناَ شافياً فنزلت الآية التي في سورة النساء {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43] وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضرت الصلاة ينادي لا يقربنّ الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت التي في المائدة {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} الآية إلى قوله: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} فقال عمر: انتهينا انتهينا والثاني: أنها نزلت في سعد بن أبي وقّاص وقد لاحى رجلاً على شراب فضربه الرجل بلحي جمل ففرز أنفه قاله مصعب بن سعد، والثالث: أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار ثملوا من الشراب فعبث بعضهم ببعض فأنزل الله فيهم هذه الآية قاله ابن عباس فلما حرمت الخمر قال المسلمون: يا رسول الله كيف بأخواننا الذين شربوها وماتوا قبل تحريمها فأنزل الله تعالى {لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا} [المائدة: 93] يعني من الخمر قبل التحريم {إِذَا مَا اتَّقَواْ} يعني في أداء الفرائض و{وءَامَنُواْ} يعني بالله ورسوله، {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} يعني البرّ والمعروف، {ثُمَّ اتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ} يعني بعمل النوافل فالتقوى الأول عمل الفرائض، والتقوى الثاني عمل النوافل، فأما الميسر: فهو القمار، وأما الأنصاب ففيها وجهان: أحدهما: أنها الأصنام تعبد قاله الجمهور، والثاني: أنها أحجار حول الكعبة يذبحون لها قاله مقاتل وأما الأزلام فهي قداح من خشب يستقسم بها على ما قدّمناه وقوله: {رِجْسٌ} يعني حراماً، وأصل الرجس: المستقذر الممنوع منه فعبّر به عن الحرام لكونه ممنوعاً منه ثم قال {مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي مما يدعوا إليه الشيطان ويأمر به لأنه لا يأمر إلا بالمعاصي ولا ينهي إلا عن الطاعات.

.تفسير الآية رقم (94):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94)}
قوله عزّ وجلّ: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ} في قوله ليبلونكم تأويلان: أحدهما: معناه ليكلفنكم، والثاني: ليختبرنكم قاله قطرب والكلبي. وفي قوله: {مِّنَ الصَّيْدِ} قولان: أحدهما: أن (من) للتبعيض في هذا الموضع لأن الحكم يتعلق بصيد البردون البحر، وبصيد الحرم والإحرام دون الحل والإحلال، والثاني: أن (من) في هذا الموضع داخلة للتجنيس نحو قوله: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] قال الزجاج.
{تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} فيه تأويلان، أحدهما: ما تناله أيدينا البيض، ورماحنا الصيد قاله مجاهد، والثاني: ما تناله أيدينا الصغار ورماحنا الكبار قاله ابن عباس.
{لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} فيه أربعة تأويلات أحدها: أنّ معنى ليعلم ليرى فعبّر عن الرؤية بالعلم لأنها تؤول إليه قاله الكلبي، والثاني: معناه ليعلم أولياء الله من يخافه بالغيب، (والثالث: معناه ليعلموا أنّ الله يعلم من يخافه بالغيب) والرابع: معناه ليخافوا الله بالغيب والعلم مجاز.

.تفسير الآية رقم (95):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)}
 وأتهم إذا دخل تهامة، وأنجد إذا دخل نجدا، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم قاله بعض أهل البصرة، والثالث: أنّ اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل المحرّم- قوله عزّ وجلّ: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ} فيه ثلاثة أقاويل أحدها: يعني الإحرام بحج أو عمرة قاله الأكثرون، والثاني: بالمحرم الداخل إلى الحرم، يقال أحرم إذا دخل الحرم، (وأتهم إذا دخل تهامة، وأنجد إذا دخل نجدا، ويقال أحرم لمن دخل في الأشهر الحرم قاله بعض أهل البصرة، والثالث: أنّ اسم المحرم يتناول الأمرين معاً على وجه الحقيقة دون المجاز من أحرم بحج أو عمرة أو دخل المحرّم) وحكم قتل الصيد فيهما على حد سواء بظاهر الآية قاله أبو علي بن أبي هريرة.
{وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً} فيه قولان: أحدهما: متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه قاله مجاهد وإبراهيم وابن جريج، والثاني: متعمداً لقتله ذاكراً لإحرامه قاله ابن عباس وعطاء الزهري واختلفوا في الخاطئ في قتله الناسي لإحرامه على قولين: أحدهما: لا جزاء عليه قاله داود، والثاني: عليه الجزاء قاله مالك وأبو حنيفة والشافعي.
{فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} يعني أنّ جزاء القتل في الحرم أو الإحرام مثل ما قتل من النعم، وفي مثله قولان: أحدهما: أنّ قيمة الصيد مصروفة في مثله من النعم قاله أبو حنيفة والثاني: أنّ عليه مثل الصيد من النعم في الصورة والشبه قاله الشافعي.
{يَحْكُمُ بِهِ ذّوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ} يعني بالمثل من النعم لا يستقر المثل فيه إلا بحكم عدلين فقيهين، ويجوز أن يكون القاتل أحدهما {هَدْيَاً بَالِغَ الْكَعْبَةِ} يريد أي مثل الصيد من النعم يلزمه إيصاله إلى الكعبة وعني بالكعبة جميع الحرم لأنها في الحرم، واختلفوا هل يجوز أن يهدي في الجزاء ما لا يجوز في الأضحية من صغار الغنم على قولين: أحدهما: لا يجوز قاله أبو حنيفة، والثاني: يجوز قاله الشافعي.
{أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنه يُقَوَّمُ المثل من النعم ويشتري بالقيمة طعاماً قاله عطاء والشافعي، والثاني: يُقَوَّم الصيد ويشتري بقيمة الصيد طعاماً قاله قتادة وأبو حنيفة.
{أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً} يعني عدل الطعام صياماً، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يصوم عن كل مد يوماً قاله عطاء والشافعي، والثاني: يصوم عن كل مد ثلاثة أيام إلى عشرة أيام قاله سعيد بن جبير والثالث: يصوم عن كل صاع يومين قاله ابن عباس. واختلفوا في التكفير بهذه الثلاثة هل هو على الترتيب أو التخيير على قولين: أحدهما: أنه على الترتيب إن لم يجد المثل فالإطعام فإن لم يجد الطعام فالصيام قاله ابن عباس ومجاهد وعامر وإبراهيم والسدي، والثاني: أنه على التخيير في التكفير بأي الثلاثة شاء قاله عطاء وأحد قولي ابن عباس وهو مذهب شافعي.
{لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} يعني في التزام الكفارة ووجوب التوبة {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} يعني قبل نزول التحريم.
{وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} فيه قولان: أحدهما: يعني ومن عاد بعد التحريم فينتقم الله منه بالجزاء عاجلاً وعقوبة المعصية آجلاً، والثاني: ومن عاد بعد التحريم في قتل الصيد ثانية بعد أوله.
{فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} (فيه على هذا التأويل قولان، أحدهما: فينتقم الله منه) بالعقوبة في الآخرة دون الجزاء قاله ابن عباس وداود، والثاني: بالجزاء مع العقوبة قاله الشافعي والجمهور.